كيف يمكن التربية على التسامح داخل الصفّ في الوقت الذي يكون العنف والتحريض خارج الصف في أوجه؟

آخر تحديث في تاريخ 22/09/2014

في الصيف الأخير واجهنا  الكثير من الاحداث والتحديات المتعلقة بقضايا حقوق الانسان وظاهرة العنصرية المنتشرة  في المجتمع، سواء على الصعيد المجتمعي الداخلي أو على صعيد الدولة ككلّ. الأجواء مشبعة بالتحريض والعنصريّة والأولاد يتأثرون بكلّ هذا ويذوته. كيف نتعامل مع هذا الموقف والقضايا؟

الواقع يفرض علينا تحديات من المهم مناقشتها بعمق وبنظرة  ناقدة داخل اطار المؤسسة التربوية. كثرة هذه الاحداث تشير الى ضرورة تعزيز التربية لمناهضة العنصرية.  يدرك المعلّمون أنّه يجب التعامل بشكل فعّال مع أحداث هذا الصيف، وهم يبحثون عن سبل ناجعة للقيام بذلك، مفترضين أنّ هذه الاحداث أثّرت وسوف تؤثّر في التلاميذ وفي ما يجري داخل الصفّ.

يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على خطوات تربويّة للتعامل مع القضايا المثيرة للجدل، كما أنّه يهدف إلى الإشارة إلى الإمكانيّات المتوفّرة في هذه الخطوات لتشكّل تغييرًا اجتماعيًّا، لا سيّما في ضوء الديناميكيّة التي تجري خارج الصفّ، في الحيّز العامّ، في هذه الأيّام بالذات. ترتبط هذه الخطوات التعليميّة بتركيبة الصفّ، وبالسلوك التربويّ العامّ الذي ينتهجه المعلّم، ومن شأنها أن تخلق ديناميكيّات صفّيّة تختلف اختلافًا جوهريًّا عن الديناميكيّة التي تميّز الحيّز العامّ في هذه الايّام.

لتوضيح الأمور، نقترح عليكم افتتاحيّة للدرس (قد تكون أكثر من واحدة طبعًا!) هدفها أن تطرح للنقاش أحداث الحرب وحالة العنصرية التي سادت المجتمع خلال هذا الصيف، رغبة في تحفيز  التلاميذ على طرح أفكارهم والتعبير عن مشاعرهم. بعد ذلك سأقوم بتحليل هذه الافتتاحيّة المحتملة وتفسير  لماذا يشكّل تطبيق هذه الأمور بشكل فعليّ من قبل المعلّم، فرقًا واضحًا بين ما يحدث في الصفّ وما يحدث خارجه. بناءً على هذا فإنّ هذه الافتتاحيّة تشكّل رسالة تعليميّة تقترح التحول من الحوار المتطرّف، المحرّض والذي يسبّب الضعف، إلى حوار فيه احتواء، حوار مركّب ويدفع إلى التدعيم والتمكين.

مقدمة:

“سوف نناقش في درس اليوم الحرب وحالات العنصرية التي شهدناها جميعًا في الصيف الماضي. جلب هذا الصيف الكثير من التوتّر والارتباك والمشاعر الصعبة. لذلك من المهمّ أن نصغي ونشارك الواحد الآخر بالأمور التي مرّت بنا. الغرض من هذا النقاش هو تحديد شعورنا بسبب ألأحداث ما رأينا، ما هي مخاوفنا،ا هل طرأ علينا أيّ تغيير في أعقاب هذه الحرب.

 من المهمّ الإشارة إلى أنّه لا يوجد صحيح أو غير صحيح في هذه الحالة، لا توجد مادّة تمتحنون بها، ولا يوجد امتحان. كل موقف فكرة أو شعور هو أمر مشروع في نقاشنا. إذا نجحنا في التعبير عن أنفسنا والاستماع والإصغاء لأكبر عدد من التلاميذ والتلميذات، فإنّنا سوف نحقّق الهدف الذي نصبو إليه من وراء هذا النقاش.

هذا الدرس هو عمليًّا نقاش نشارك فيه جميعنا، وليس محاضرة ألقيها أنا – معلّمكم- على مسامعكم. يمكن أن نوجّه الانتقاد الواحد إلى الآخر وبالتأكيد يجوز ألّا تكون موافقة على كل ما يُقال، حتّى على ما أقوله أنا.

نذكر ان  حرية التعبير هي شرطا لتحقيق حريات اخرى كثيرة وان هنالك أهمّيّة خاصة لسماع الأمور المثيرة للغضب على وجه الخصوص، لأنّه بهذه الطريقة يمكننا أن نوضّح مواقفنا ونتقدّم نحو الكشف عن الحقيقة. ومع ذلك، ليس هناك حدّ واحد واضح في نقاشنا الذي علينا ألّا نتجاوزه. يحظر إلحاق الأذى بأيّ شخص، تلميذًا كان أو تلميذة، يحظر توجيه الإهانات الشخصيّة. لكل شخص مستوًى مختلف من الضعف، وعلينا أن نحاول جاهدين احترام ذلك، كأفراد نختلف عن بعضنا”.

ما الذي تشمله مميّزات نقاش من هذا النوع، نقاش يختلف بشكل كبير عمّا يحدث في الخارج؟
• يتمّ الجلوس على شكل دائرة، يكون لكلّ مشترك فيها صوت واحد، مساوٍ لبقيّة الأصوات من حيث الأهمّيّة. توجد خارج الصفّ علاقات قوّة تحدّد فيها أكثريّة صاخبة جدول الأعمال، تقرّر ما هو الشرعيّ الذي يجب أن يُقال، وتُقصي أصوات الأقلّيّة التي لا تتماشى مع التيّار. يجلس المعلّم أيضًا في الدائرة ولا يكون في موقف المحاضر. في نقاش يتناول القيم من السهل الوقوع في خطأ الوعظ. (“يجب أن تحترم وأن تفكّر ماذا كنت ستفعل لو كنت في مثل هذا الموقف…”). إنّ الجلوس مع التلاميذ، وتحديد الهدف من الدرس على أنّه مشاركة والاستماع، مع الحفاظ على حدود حرّيّة التعبير، سوف يساعد المعلّم في تفادي الوقوع في فخّ الوعظ.

  • تتضمّن الدائرة ديناميكيّات من المسؤولية الشخصية. كلّ من يتحدّث- يتحمّل      المسؤوليّة عمّا يقوله. أمّا خارج الصفّ فمن السهل التفوّه بأقوال قاسية وجارحة، وخصوصًا عندما يتمّ ذلك من خلال لوحة      المفاتيح ومن وراء الحاسوب.
  • يحافظ المعلم في الصفّ على جميع التلاميذ، بما في      ذلك التلاميذ الذين يمثّلون رأي الأقلّيّة، وهؤلاء سوف يشعرون بمزيد من الارتياح      والثقة للتعبير عن أنفسهم. أمّا خارج الصفّ هناك ديناميكيّة      البقاء. الناس الذين يتمسّكون بوجهات نظر مختلفة يحذرون في التعبير عن آرائهم، خوفًا من أن      يتمّ البحث عنهم والعثور عليهم” (أي محاولة المسّ بهم). أصوات الأغلبية تقول إنّ هذا هو السبيل من أجل البقاء في      الوضع الراهن، وأيّ رأي آخر يشكّل خيانة وخطرًا      على الوجود.
  • في الصفّ أيضًا إذا قلت أشياء مثيرة للغضب      (ولكنّها غير مسيئة)، فلن تُطرد      من الحصّة، أمّا خارج الصفّ فإنّ النقد قد يجلب عقوبة      الإقصاء، الفصل من العمل، الحذف من      قائمة الأصدقاء في الفيسبوك      وما شابه.  في هذا السياق، يجب أن يكون المعلّم في حالة تأهّب، حتّى بعد الحصّة، والتأكّد من      عدم وجود أيّ مقاطعة ضدّ      تلاميذ عبّروا عن وجهات نظر أغضبت      آخرين في الصفّ، وخاصّة إذا      كان هؤلاء الآخرون ذوي      أدوار قياديّة اجتماعيّة وقادرين على “فرض العقوبات”، مثل مقاطعة      تلاميذ الذين يعبرون عن راي مختلف.
  • في الصفّ متّسع للتعبير عن المخاوف ومن      خلال ذلك تفكيك هذه المخاوف، كما أنّ هناك مجالٌ للتأمّل والتفكّر. هناك متّسع لتبادل المعلومات      ذات الصلة، بشكل متعدّد الاتّجاهات. خارج      الصفّ يغذّينا الإعلام المثير للغرائز والذي ينشر المخاوف.      المعلومات أحاديّة الاتّجاه، ذات بعد واحد عادة، وتتدفّق إلى المشاهد باستمرار بشكل يزيد من القلق والمخاوف، ولا يسمح بالتفكير في تأثير التغطية      الإعلاميّة علينا.
  • لا تتضمّن المناقشة الحاليّة الصواب أو الخطأ. صحيح أنّ بعض الأشياء تعتبر      كفرًا وخيانة. وهذا هو أحد أسهل الأمور      التي يمكن قولها والأصعب تنفيذًا. من الواضح أنّنا كمواطنين      ومربّين، قد تكون لنا آراء مبلورة.
  • في حال نقاش يهدف إلى توضيح المواقف، كسر المخاوف، التعبير      عن المشاعر، طرح مواقف تنطوي على أفكار نمطيّة وعنصريّة،      من المهمّ احتواء التلاميذ، شريطة ألّا يتجاوزوا حدود الإهانة الشخصيّة.
  • يحتوي إطار الحوار في الصفّ على تباين من ناحية، ولكن من الناحية الأخرى حدوده واضحة ويمكن تمييزها. أمّا خارج الصفّ فإنّ حدود      الحوار قد انتهكت، وتتضمن في الأساس صوتًا واحدًا مهيمنًا وعدوانيًّا يكسر الإطار المعياريّ. خارج الصفّ هناك حوار      يدفع حدود حرّيّة التعبير باتّجاه التحريض والعنف.  ومن غير الواضح ما      الذي يعتبر تحريضًا، كما أنّ ردود      الفعل الشديدة يتمّ تلقّيها      بلامبالاة من قبل المؤسّسة الحاكمة.

للأجمال- ملائمة التوقعات…
على الرغم ممّا ورد أعلاه، من المرجح أنّ نقاشًا أوّليًّا مع التلاميذ حول موضوع الحرب والعنصرية المتفشية في ألمجتمع بالتأكيد قد يؤدّي إلى الإحباط. إذا كان التلاميذ يشعرون بالفعل بارتياح للحديث بانفتاح عن أمور مختلفة، يجب أن يكون المعلّم على استعداد لنقاش أكثر فوضويّة، لارتفاع الأصوات، لمحاولات لإسكات الآخرين ولتصريحات متطرّفة (يكون من بين أهدافها فحص حدود الاحتواء عند المعلّم). ومع ذلك، إذا نجحتم في توفير الانضباط المناسب،  حافظتم على جميع التلاميذ (ذوي الأصوات العالية وذوي الأصوات التي يتمّ إسكاتها على حدّ سواء)، احتويتم التعابير القاسية اذا لم تكن فيها إهانة للتلاميذ والتلميذات في الصفّ، نقلتم رسالة واضحة وقويّة للتلاميذ والتلميذات، فإنّ هذا هو السبيل لفهم ما يجري لنا، حتّى لو كان  هذا الأمر يكشف عن المخاوف. هذا هو السبيل للتعامل مع الاختلافات في الرأي بيننا، حتّى لو كانت حادّة بالفعل. هذا هو السبيل، وليس كما يحدث خارج الصفّ.

للنشر والطباعة:
  • Print
  • Facebook
  • Twitter
  • email

دليل:,

التصنيفات: اقتراحات للنقاش تعقيباً على أحداث واقعية,اقتراحات للنقاش تعقيباً على أحداث واقعية عنصرية,التربية لمناهضة العنصرية,المدنيات,خلفية للمربي,دروس في المدنيات,فعاليات تربويه,مقالات رأي وأوراق موقف,مكتبتنا التربوية,مواد أثراء عامة

אפשרות התגובות חסומה.